الجمعة، 18 مارس 2022

1. ترجمة حياة أبو بكر الصديق رضي الله عنه لمحمد رشيد رضا حديث السقيفة وبيعة أبي بكر الصديق

ترجمة حياة أبو بكر الصديق رضي الله عنه لمحمد رشيد رضا 
 
 حديث السقيفة وبيعة أبي بكر الصديق
ترجمة حياة أبي بكر الصديق رضي الله عنه
 
هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب ابن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشّي التيميّ. يلتقي مع رسول الله في مرة بن كعب. أبو بكر الصديق بن أبي قحافة. واسم أبي قحافة عثمان. وأمه أم الخير سَلمَى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، وهي ابنة عم أبي قحافة.
أسلم أبو بكر ثم أسلمت أمه بعده، وصحب رسول الله ﷺ. قال العلماء: لا يعرف أربعة متناسلون بعضهم من بعض صحبوا رسول الله، إلا آل أبي بكر الصديق وهم: عبد الله بن الزبير، أمه أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة، فهؤلاء الأربعة صحابة متناسلون. وأيضاً أبو عتيق بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة رضي الله عنهم.
ولقب عَتِيقاً لتعتقه من النار وقيل لحسن وجهه. وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: «أبو [7]بكر عتيق الله من النار » فمن يومئذ سمي « عتيقاً ». وقيل سمي عتيقاً لأنه لم يكن في نسبه شىء يعاب به. وأجمعت الأثمة على تسميته صديقا. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «إن الله تعالى هو الذي سمى أبا بكر على لسان رسول الله ﷺ صدّيقاً» وسبب تسميته أنه بادر إلى تصديق رسول الله ﷺ ولازم الصدق فلم تقع منه هنات ولا كذبة في حال من الاحوال. وعن عائشة أنها قالت:
«لما أسري بالنبي ﷺ إلى المسجد الأقصى أصبح يحدث الناس بذلك فارتد ناس ممن كان آمن وصدق به وفتنوا به. فقال أبو بكر: إني لأصدقه في ما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء غدوة أو روحة، فلذلك سمي أبا بكر الصدّيق »
وقال أبو محجن الثقفي:
وسميت صديقاً وكل مهاجر
سواك يسمى باسمه غير منكر
[8]
سبقت إلى الإسلام والله شاهد
وكنت جليساً في العريش المشهر
ولد أبو بكر سنة 573 م بعد الفيل بثلاث سنين تقريباً، وكان رضي الله عنه صديقاً لرسول الله قبل البعث وهو أصغر منه سناً بثلاث سنوات وكان يكثر غشيانه في منزله ومحادثته. وقيل: كنى بأبي بكر لابتكاره الخصال الحميدة, فلها أسلم آزر النبي ﷺ في نصر دين الله تعالى بنفسه وماله. وكان له لما أسلم 40,000 درهم أنفقها في سبيل الله مع ما كسب من التجارة.
قال تعالى ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ﴾. الليل 17 - 19
وقد أجمع المفسرون على أن المراد منه أبو بكر. وقد رد الفخر الرازي على من قال إنها نزلت في حق علي رضي الله عنه.
كان أبو بكر رضي الله عنه من رؤساء قريش في الجاهلية محبباً فيهم مؤلفاً لهم، وكان إليه الأشناق[1] في [9]الجاهلية. كان إذا عمل شيئاً صدقته قريش، وأمضوا حمالته وحمالة من قام معه، وإن احتملها غيره خذلوه ولم يصدقوه. فلما جاء الإسلام سبق إليه، وأسلم من الصحابة بدعائه خمسة من العشرة المبشرين بالجنة وهم: عثمان بن عفان، والزُّبَير بن العوَّام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وأسلم أبواه وولداه وولد ولده من الصحابة فجاءبالخمسة الذين أسلموا بدعائه إلى رسول الله فأسلموا وصلوا.
وقد ذهب جماعة إلى أنه أول من أسلـم؛ قال الشعبي: سألت ابن عباس من أول من أسلم؟ قال: أبوبكر ،أما سمعت قول حسان:
إذا تذكرت شجواً من أخي ثقة
فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأعدلها
بعد النبي وأوفاها بما حملا
والثاني التالي المحمود مشهده
وأول الناس قدماً صدّق الرسلا
[10]وكان أعلم العرب بأنساب قريش وما كان فيها من خير وشر. وكان تاجرا ذا ثروة طائلة، حسن المجالسة، عالماً بتعبير الرؤيا، وقد حرم الخمر على نفسه في الجاهلية هو وعثمان بن عفان. ولما أسلم جعل يدعو الناس إلى الاسلام قال رسول الله ﷺ « ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت عنده كَبوة ونظر وتردد إلا ما كان من أبي بكر رضي الله عنه ما علم عنه حين ذكرته له » أي أنه بادر به. ونزل فيه وفي عمر ﴿وشاورهم في الأمر﴾، آل عمران 159 فكان أبو بكر بمنزلة الوزير من رسول الله ﷺ فكان يشاوره في أموره كلها.
وقد أصاب أبا بكر من إيذاء قريش شيء كثير. فمن ذلك أن رسول الله ﷺ لما دخل دار الأرْقَم ليعبد الله ومن معه من أصحابه سرًا ألح أبو بكر رضي الله عنه في الظهور، فقال النبي ﷺ يا أبا بكر إنا قليل. فلم يزل به حتى خرج رسول الله ﷺ ومن معه من الصحابة رضي الله عنهم وقام أبو بكر في الناس خطيباً ورسول الله ﷺ جالس ودعا إلى رسول الله، فهو أول خطيب دعا إلى الله تعالى فثار المشركون على أبي بكر رضي الله عنه وعلى المسلمين يضربونهم فضربوهم ضرباً شديداً. ووَطىء أبو بكر [11]بالأرجل وضرب ضرباً شديداً. وصار عُتْبة بن ربيعة يضرب أبا بكر بنعلين مخصوفتين ويحرفهما إلى وجهه حتى صار لا يعرف أنفه من وجهه، فجاءت بنو تيم يتعادَون فأجْلت المشركين عن أبي بكر إلى أن أدخلوه منزله ولا يشكون في موته، ثم رجعوا فدخلوا المسجد فقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة، ثم رجعوا إلى أبي بكر وصار والده أبو قحافة وبنو تيم يكلمونه فلا يجيب حتى آخر النهار، ثم تكلم وقال: ما فعل رسول الله ﷺ؟ فعذلوه فصار يكرر ذلك فقالت أمه: والله ما لي علـم بصاحبك. فقال: إذهبي إلى أم جميل فاسأليها عنه وخرجت إليها وسألتها عن محمد بن عبد الله، فقالت: لا أعرف محمداً ولا أبا بكر ثم قالت: تريدين أن أخرج معك؟ قالت: نعم. فخرجت معها إلى أن جاءت أبا بكر فوجدته صريعاً فصاحت وقالت: إن قوماً نالوا هذا منك لأهل فسق وإني لأرجو أن ينتقم الله منهم، فقال لها أبو بكر رضي الله عنه: ما فعل رسول الله ﷺ؟ فقالت: هذه أمك، قال فلا عَيْنَ عليك منها أي أنها لا تفشي سرك. قالت: سالم هو في دار الأرقم. فقال: والله لا أذوق طعاماً ولا أشرب شراباً أو آتيَ رسول الله ﷺ. قالت [12]أمه فأمهلناه حتى إذا هدأت الرِّجل وسكن الناس. خرجنا به يتكىء عليّ حتى دخل على رسول الله ﷺ فرق له رقة شديدة وأكب عليه يقبله وأكب عليه المسلمون كذلك فقال بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما بي من بأس إلا ما نال الناس من وجهي، وهذه أمي برة بولدها فعسى الله أن يستنقذها من النار، فدعا لها رسول الله ﷺ ودعاها إلى الإسلام فأسلمت[2].
ولما اشتد أذى كفار قريش لم يهاجر أبو بكر إلى الحبشة مع المهاجرين بل بقي مع رسول الله ﷺ تاركاً عياله وأولاده وأقام معه في الغـار ثلاثة أيام؛ قال الله تعالى ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. التوبة 41
ولما كانت الهجرة جاء رسول الله ﷺ إلى أبي بكر وهو نائم فأيقظه، فقال رسول الله ﷺ: قد أذن لي في الخروج قالت عائشة: فلقد رأيت أبا بكر يبكي من الفرح، ثم خرجا حتى دخلا الغار فأقاما فيه ثلاثة [13]أيام[3]. وأن رسول الله لولا ثقته التامة بأبى بكر لما صاحبه في هجرته فاستخلصه لنفسه، وكل من سوى أبي بكر فارق رسول الله، وإن الله تعالى سماه « ثانـي اثنين ».
قال رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت: هل قلت في أبي بكر شيئاً؟ فقال: نعم. فقال: قل وأنا أسمع. فقال:
وثانيَ اثنين في الغار المنيف وقد
طاف العدو به إذ صعَّد الجبلا
وكان حِبّ رسول الله قد علموا
من البرية لم يعدِل به رجلاً
فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه، ثم قال: صدقت يا حسان هو كما قلت.
وكان النبي ﷺ يكرمه ويجله ويثني عليه في وجهه واستخلفه في الصلاة، وشهد مع رسول الله بدرا وأحداً والخندق وبيعة الرضوان بالخدّيبية وخيبر وفتح مكة وحنيناً [14]والطائف وتَبوك وحَجة الوَداع. ودفع رسول الله رايته العظمى يوم تبوك إلى أبي بكر وكانت سوداء، وكان فيمن ثبت معه يوم أحد وحين ولّى الناس يوم حنين. وهو من كبار الصحابة الذين حفظوا القرآن كله. ودفع أبو بكر عقبة بن أبي معيط عن رسول الله لما خنق رسول الله وهو يصلي عند الكعبة خنقاً شديداً. وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾. المؤمن [غافر] 28
قال رسول الله ﷺ: «لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ». رواه البخاري ومسلم
وأعتق أبو بكر سبعة ممن كانوا يعذبون في الله تعالى وهم: بلال وعامر بن فهيرة، وزِنِّيرة، والنَّهديّة، وابنتها، وجارية بني مؤمّل، وأم عُبيس. وكان أبو بكر إذا مُدح قال: «أللهم أنت أعلم بي من نفسي وأنا أعلم بنفسي منهم. اللهم اجعلني خيراً مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون».
قال عمر رضي الله عنه: أمرنا رسول الله ﷺ أن [15]نتصدق ووافق ذلك مالاً عندي. فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته، فجئت بنصف مالى. فقال: ما أبقيت لأهلك؟ قلت: مثله. وجاء أبو بكر بكل ما عنده. فقال: يا أبا بكر. ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله. قلت: لا أسبقه إلى شيء أبداً.
روي لأبي بكر رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ 142 حديثاً اتفق البخاري ومسلم منها على ستة، وانفرد البخاري بأحد عشر، ومسلم بحديث واحد، وسبب قلة رواياته مع تقدم صحبته وملازمته النبي صلى الله عليه وسلم أنه تقدمت وفاته قبل انتشار الأحاديث واعتناء التابعين بسماعها، وتحصيلها، وحفظها.
[16]بعض الأحاديث المصرحة بفضل أبي بكر:
عن عمرو بن العاص: أن النبي عليه السلام بعثه على جيش ذات السلاسل قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ فقال: عائشة. فقلت: من الرجال؟ فقال: أبوها. فقلت: ثم من؟ قال : ثم عمر بن الخطاب. فعد رجالاً. رواه البخاري ومسلم.
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ. «من جرَّ ثوبه خُيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» فقال أبو بكر: إن أحد شقي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه. فقال رسول الله ﷺ: «إنك لست تصنع ذلك خيلاء» رواه البخاري.
وعن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ: « من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا. [17]فقال رسول الله ﷺ: ما اجتمعن في امرىء إلا دخل الجنة » رواه مسلم.
وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان على حراء هو وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير. فتحركت الصخرة فقال النبي عليه السلام: «اهدأ فما عليك إلا نبي وصديق وشهيد» رواه مسلم.
وعن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ « اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» رواه الترمذي.
وعن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر «أنت صاحبي على الحوض وصاحبي في الغار» رواه الترمذي.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر » فبكى أبو بكر وقال: وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله.
ومن فضائله رضي الله عنه:
أن عمر بن الخطاب كان يتعاهد عجوزاً كبيرة عمياء في بعض حواشي المدينة من الليل فيستقي لها ويقوم [18]بأمرها. فكان إذا جاء وجد غيره قد سبقه إليها فأصلح ما أرادت. فجاءها غير مرة كيلا يسبق إليها فرصده عمر فإذا الذي يأتيها هو أبو بكر الصديق، وهو خليفة. فقال عمر: أنت هو لعمري.
وهو أول خليفة في الإسلام، وأول أمير أرسل على الحج، حج بالناس سنة تسع هجرية، وأول من جمع القرآن، وأول من سمى مصحف القرآن مصحفاً، وكان يفتي الناس في زمان رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر.
توفي أبو بكر يوم الإثنين 22 جمادى الآخرة سنة 13 هـ - 23 آب - أغسطس سنة 634 م وتوفي أبوه بعده بنحو ستة أشهر وله 63 سنة كرسول الله ﷺ وعمر بن الخطاب.
صفته رضي الله عنه
كان أبو بكر رجلاً أبيض خفيف العارضين لا يتمسك إزاره، معروق الوجه، ناتىء الجبهة عاري [19]الأشاجع[4] أَقْنَى[5] غائر العينين حَمْش الساقين[6] ممحوص الفخذين[7] يخضب بالحِناء والكَتَم[8] .
زوجاته وأولاده
تزوج أبو بكر في الجاهلية ( قتيلة بنت سعد ) فولدت له عبد الله وأسماء . أما عبد الله فإنه شهد يوم الطائف مع النبي ﷺ وبقي إلى خلافة أبيه، ومات في خلافته وترك سبعة دنانير فاستكثرها أبو بكر. وولد لعبد الله اسماعيل فمات ولا عقب له. وأما أسماء فهي ذات النِّطاقَين، وهي التي قطعت قطعة من نطاقها فربطت به على فم السفرة في الجراب التي صنعت لرسول الله، وأبي بكر عند قيامها بالهجرة وبذلك سميت «ذات النطاقين» وهي أسن من عائشة . وكانت أسماء أشجع نساء [20]الإسلام، وأثبتهن جأشاً، وأعظمهن تربية للولد على الشهامة، وعزة النفس، تزوجها الزبير بمكة فولدت له عدة أولاد، ثم طلقها فكانت مع ابنها عبد الله بن الزبير حتى قتل بمكة، وعاشت مائة سنة حتى عميت، وماتت.
وتزوج أبو بكر أيضاً في الجاهلية (أم رومان) فولدت له عبد الرحمن، وعائشة زوجة رسول الله توفيت في حياة رسول الله في سنة ست من الهجرة فنزل رسول الله قبرها واستغفر لها، وكانت حية وقت حديث الإفك، وحديث الإفك في سنة ست فن شعبان، فعبد الرحمن شقيق عائشة، شهد بدراً وأحداً مع الكفار، ودعا إلى البراز فقام إليه أبو بكر ليبارزه، فقال له رسول الله ﷺ «متعنا بنفسك» وكان شجاعاً رامياً، أسلم في هدنة الحديبية وحسن إسلامه، شهد اليمامة مع خالد بن الوليد فقتل وهو من أكابرهم، وهو الذي قتل مُحكَّم اليمامة بن الطفيل الذي كان من قواد بني حنيفة المشهورين، رماه بسهم في نحره فقتله، كما سيأتي ذكر ذلك في موقعة اليمامة،.
 
= وكان عبد الرحمن أسن ولد أبي بكر وكان فيه دُعابة. توفي فجأة بمكان اسمه حبش على نحو عشرة [21]أميال من مكة، وحمل إلى مكة ودفن فيها، وكان موته سنة 53 هـ.
وتزوج أبو بكر في الإسلام (أسماء بنت عُمَيس) وكانت قبله عند جعفر بن أبي طالب. فلما قتل جعفر تزوجها أبو بكر الصديق فولدت له محمد بن أبي بكر ثم مات عنها فتزوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه فولدت له يحيى. وأما محمد بن أبي بكر فكان يكنى أبا القاسم، وكان من نسابة قريش، ولاه علي بن أبي طالب رضي الله عنه مصر فقاتله صاحب معاوية، وظفر به فقتله، وولد له القاسم.
وتزوج أيضاً في الإسلام (حبيبة بنت خارجة بن زيد بن أبي زهير الخزرجي) فولدت له جارية سمتها عائشة أم كلثوم. تزوجها طلحة بن عبيد الله فولدت له زكريا، وعائشة، ثم قتل عنها فتزوجها عبد الرحمن بن عبيد الله بن أبي ربيعة المخزومي.
***
قال الأستاذ واشنجتون إيرفنج في كتاب (محمد وخلفاؤه) :
[22]كان أبو بكر رجلاً عاقلاً سديد الرأي وقد كان في بعض الأحيان شديد الحذر والحيطة في إدارته، لكنه كان شريف الأغراض غير محب للذات، ساعياً للخير لا لمصلحته الذاتية فلم يبتغ من وراء حكمه مطامع دنيوية بل كان لا يهمه الغنى، زاهدا في الفخر، راغبا عن اللذات ولم يقبل أجرا على خدماته غير مبلغ زهيد يكفي لمعاش رجل عربي عادي ما كان يرد إليه في يوم الجمعة إلى المحتاجين، والفقراء، ويساعد المعوزين بماله الخاص.
هامش
الأشناق : الديات ، ج شنق.
راجع السيرة الحلبية.
راجع « الهجرة الى المدينة » في كتاب محمد رسول الله للمؤلف صفحة 154.
الأشاجع هي أصول الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف. وقيل هي عروق ظاهر الكف.
أي ارتفع أنفه واحدودب وسطه وسبغ طرفه وقيل نتأ وسط قصبته وضاق منخراه فهو أقنى.
دقيقهما.
أي خلص من الاسترخاء.
الكتم من نبات الجبال ورقه كورق الآس يخضب به مدقوقا وله ثمر كقدر الفلفل ويسود إذا نضج.
========
صفته رضي الله عنه
صفته رضي الله عنه
كان أبو بكر رجلاً أبيض خفيف العارضين لا يتمسك إزاره، معروق الوجه، ناتىء الجبهة عاري الأشاجع[1] أقنى غائر العينين حمش الساقين[3] ممحوص الفخذين  يخضب بالحناء والكتم  .
هامش
الأشاجع هي أصول الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف. وقيل هي عروق ظاهر الكف.
أي ارتفع أنفه واحدودب وسطه وسبغ طرفه وقيل نتأ وسط قصبته وضاق منخراه فهو أقنى.
دقيقهما.
أي خلص من الاسترخاء.
الكتم من نبات الجبال ورقه كورق الآس يخضب به مدقوقا وله ثمر كقدر الفلفل ويسود إذا نضج.
=======
زوجاته وأولاده
تزوج أبو بكر في الجاهلية ( قتيلة بنت سعد ) فولدت له عبد الله وأسماء . أما عبد الله فإنه شهد يوم الطائف مع النبي ﷺ وبقي إلى خلافة أبيه، ومات في خلافته وترك سبعة دنانير فاستكثرها أبو بكر. وولد لعبد الله اسماعيل فمات ولا عقب له. وأما أسماء فهي ذات النطاقين، وهي التي قطعت قطعة من نطاقها فربطت به على فم السفرة في الجراب التي صنعت لرسول الله، وأبي بكر عند قيامها بالهجرة وبذلك سميت «ذات النطاقين» وهي أسن من عائشة . وكانت أسماء أشجع نساء الإسلام، وأثبتهن جأشاًُ، وأعظمهن تربية للولد على الشهامة، وعزة النفس، تزوجها الزبير بمكة فولدت له عدة أولاد، ثم طلقها فكانت مع ابنها عبد الله بن الزبير حتى قتل بمكة، وعاشت مائة سنة حتى عميت، وماتت.
وتزوج أبو بكر أيضاً في الجاهلية (أم رومان) فولدت له عبد الرحمن، وعائشة زوجة رسول الله توفيت في حياة رسول الله في سنة ست من الهجرة فنزل رسول الله قبرها واستغفر لها، وكانت حية وقت حديث الإفك، وحديث الإفك في سنة ست فن شعبان، فعبد الرحمن شقيق عائشة، شهد بدراً وأحداً مع الكفار، ودعا إلى البراز فقام إليه أبو بكر ليبارزه، فقال له رسول الله ﷺ «متعنا بنفسك» وكان شجاعاً رامياً، أسلم في هدنة الحديبية وحسن إسلامه، شهد اليمامة مع خالد بن الوليد فقتل وهو من أكابرهم، وهو الذي قتل مُحكَّم اليمامة بن الطفيل الذي كان من قواد بني حنيفة المشهورين، رماه بسهم في نحره فقتله، كما سيأتي ذكر ذلك في موقعة اليمامة،. وكان عبد الرحمن أسن ولد أبي بكر وكان فيه دُعابة. توفي فجأة بمكان اسمه حبش على نحو عشرة أميال من مكة، وحمل إلى مكة ودفن فيها، وكان موته سنة 53 هجرية.
وتزوج أبو بكر في الإسلام (أسماء بنت عُمَيس) وكانت قبله عند جعفر بن أبي طالب. فلما قتل جعفر تزوجها أبو بكر الصديق فولدت له محمد بن أبي بكر ثم مات عنها فتزوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه فولدت له يحيى. وأما محمد بن أبي بكر فكان يكنى أبا القاسم، وكان من نسابة قريش، ولاه علي بن أبي طالب رضي الله عنه مصر فقاتله صاحب معاوية، وظفر به فقتله، وولد له القاسم.
وتزوج أيضاً في الإسلام (حبيبة بنت خارجة بن زيد بن أبي زهير الخزرجي) فولدت له جارية سمتها عائشة أم كلثوم. تزوجها طلحة بن عبيد الله فولدت له زكريا، وعائشة، ثم قتل عنها فتزوجها عبد الرحمن بن عبيد الله بن أبي ربيعة المخزومي.
***
قال الأستاذ واشنجتون إيرفنج في كتاب (محمد وخلفاؤه) :
كان أبو بكر رجلاً عاقلاً سديد الرأي وقد كان في بعض الأحيان شديد الحذر والحيطة في إدارته، لكنه كان شريف الأغراض غير محب للذات، ساعياً للخير لا لمصلحته الذاتية فلم يبتغ من وراء حكمه مطامع دنيوية بل كان لا يهمه الغنى، زاهدا في الفخر، راغبا عن اللذات ولم يقبل أجرا على خدماته غير مبلغ زهيد يكفي لمعاش رجل عربي عادي ما كان يرد إليه في يوم الجمعة إلى المحتاجين، والفقراء، ويساعد المعوزين بماله الخاص
==============.
زوجاته وأولاده  حديث السقيفة وبيعة أبي بكر الصديق
 
 
  
توفي رسول الله ﷺ يوم الإثنين 12 ربيع الأول من السنة الحادية عشرة من الهجرة (9 حزيران يونيه سنة 632 م) فهب الأنصار يطالبون بالخلافة قبل أن يدفن رسول الله مع أم المهاجرين لم يكونوا قد فكروا في الخلافة، بل كان كبار الصحابة مشغولين بتجهيز رسول الله ودفنه، وطمع سعد بن أبي عبادة في أن يكون خليفة ويكنى أبا ثابت، وكان نقيب بني سعادة والسيد المطاع في []الخزرج.
اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة  وجاؤوا بسعد بن أبي عبادة وهو مريض بالحمى ليبايعوه، وطلبوا إليه أن يخطب. فقال لابنه أو بعض بني عمه: إني لا أقدر لشكواي أن أسمع القوم كلهم كلامي، ولكن تلق مني قولي فأسمعهم، فكان يتكلم ويحفظ الرجل قوله فيرفع صوته فيسمع أصحابه.
هامش
سقيفة بني ساعدة بالمدينة وهي ظلة كانوا يجلسون تحتها. أما بنو ساعدة الذين أضيفت إليهم السقيفة فهم حي من الأنصار وهم بنو ساعدة بن كعب بن الخزرج وكانت دار سعد مما يلي سوق المدينة وعندها السقيفة.
======
خطبة سعد بن عبادة
قال سعد بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
« يا معشر الأنصار، لكم سابقة في الدين، وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب. إن محمداً عليه السلام لبث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن، وخلع الأنداد والأوثان، فما آمن به من قومه إلا رجال قليل، ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا []رسول الله، ولا أن يعزوا دينه، ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيماً عُمُّوا به، حتى إذا أراد بكم الفضيلة، ساق إليكم الكرامة وخصكم بالنعمة، فرزقكم الإيمان به وبرسوله، والمنع له ولأصحابه، والإعزاز له ولدينه، والجهاد لأعدائه، فكنتم أشد الناس على عدوه حتى استقامة العرب لأمر الله طوعاً وكرهاً، وأعطى البعيد المقادة صاغراً داخراً حتى أثخن الله عز وجل لرسوله بكم الأرض، ودانت بأسيافكم له العرب، وتوفاه الله وهو عنكم راض وبكم قرير عين استبِدُّوا بالأمر دون الناس، فإنه لكم دون الناس.
هذه خطبة سعد بن عبادة. فقد كان يرى أن المهاجرين استبدوا بالأمر، وأن الأنصار أحق بالولاية للأسباب التي ذكرها، مع أن المهاجرين لم يكونوا قد اجتمعوا، ولم يتشاوروا في أمر الخلافة، ولم يقرروا شيئا. ولا شك في أن هذه الخطبة حازت استحسان الأنصار، ولا سيما الخزرج، فأجابوا بأجمعهم أن قد وفقت في الرأي، وأصبت في القول، ولن نعدو ما رأيت، نوليك هذا الأمر فإنك فينا مقنْع، ولصالح [25]المؤمنين رضاً.
وطبيعي أن يحتج المهاجرون على هذا الكلام. فقالوا: نحن المهاجرون وأصحاب رسول الله الأولون، وعشيرته وأولياؤه. فقال الأنصار: «منا أمير ومنكم أمير» ولن نرضى بدون هذا أبداً. فقال سعد: «هذا أول الوَهْن» .
بلغ عمر بن الخطاب ما كان من خطبة سعد وما وقع من خلاف بين الأنصار الذين أثاروا هذا الموضوع وبين المهاجرين، فجاء إلى منزل رسول الله؛ وأرسل إلى أبي بكر أن أخرج إلي فأرسل إليه أني مشتغل فأرسل إليه أنه قد حدث أمر لا بد لك من حضوره. فخرج فأعلمه الخبر فمضيا مسرعين إلى السقيفة ومعهما أبو عبيدة بن الجراح، وأراد عمر رضي الله عنه أن يبدأ بالكلام، فأسكته أبو بكر قائلا: «رويداً حتى أتكلم» ثم تكلم بكل ما أراد أن يقول عمر.
هامش
تاريخ الطبري الجزء الثالث.
=====
خطبة أبي بكر الصديق
بدأ أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: []« إن الله بعث محمدا رسولاً إلى خلقه ، وشهيداً على أمته ليعبدوا الله ويوحدوه ، وهم يعبدون من دونه آلهة شتی ، ويزعمون أنها لهم عنده شافعة ، ولهم نافعة وإنما هي من حجر منحوت ، وخشب منجور . ثم قرأ : ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله مَا لاَ يَضًّرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ الله﴾ يونس ۱۸ ﴿وَقَالُوا مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لَيُقَرِّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى﴾الزمر 3. فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم ، فخص الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه ، والإيمان به ، والمواساة له والصبر معه على شدة أذى قومهم لهم ، وتكذيبهم إياهم ، وكل الناس لهم مخالف. زار عليهم ، فلم يستوحشوا لقلة عددهم ، وشنف الناس لهم   وإجماع قومهم عليهم ، فهم أول من عبد الله في الأرض ، وآمن بالله وبالرسول وهم أولياؤه وعشيرته وأحق الناس بهذا الأمر من عبده ، ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم، أنتم يا معشر الأنصار من لا ينكر فضلهم في الدين ، ولا سابقتهم العظيمة في الإسلام . رضيكم الله أنصاراً لدينه []ولرسوله، وجعل إليكم هجرته وفيكم جلة أزواجه وأصحابه فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم ، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تُفْتاتون بمشْوَرة، ولا تُقضى دونكم الأمور.
هامش
بغض الناس لهم .
=========
خطبة الحُبَاب بن المنذر
فقام الحُبَاب بن المنذر بن الجَموح الأنصاري الخزرجي السَّلمي ، ويكنى أبا عمر وكان يقال له ذو الرأي. فقال :
« یا معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم فإن الناس في فينكم وفي ظلكم ولن يجتري مجترىء على خلافكم، ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم ، أنتم أهل العز والثروة ، وأولو العدد والمَنَعة والتجربة، ذوو البأس والنجدة وإنما ينظر الناس إلى ما تصنعون، ولا تختلفوا فيفسد رأيكم، وينتقض عليكم أمركم أبي هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير ومنهم أمير»
ورد عمر بن الخطاب على الحُبَاب فقال :
 «هيهات لا يجتمع اثنان في قَرَن  والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم وولي أمرهم فيهم، ولنا بذلك على من أبي من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين، من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته،ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مُدْل بباطل أو متجانف لإثم   أو متورط في هلكة». فقام الحُباب بن المنذر فقال :
« یا معشر الأنصار املكوا على أيديكم، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر فإن أبوا عليكم ما سألتموه فأجلوهم عن هذه البلاد، وتولوا عليهم هذه الأمور، فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم فإنه بأسيأفكم دان لهذا الدين من دان ممن لم يكن يدين، أنا جذيلها[3]، المحكك وعُذَيقًها المرَجَّب، [29] أما والله لو شئتم لنعيدنَّها جَذَعة »
لقد لج الحباب في الخصومة، واستعمل في خطبته ألفاظاً شديدة وحرض الأنصار على إجلاء المهاجرين من المدينة إذا لم يولوهم الخلافة وتوعدهم بالشر لذلك قال له عمر محتدًا، إذن يقتلك الله. قال: بل إياك يقتل.
قال أبو عبيدة :«يا معشر الأنصار إنكم أول من نصر وآزر فلا تكونوا أول من غير وبدل».
وعندئذ قام بَشير بن سعد بن ثعلبة بن الجلاس الخزرجي الأنصاري ، ويكنى أبا النعمان فقال:
«يا معشر الأنصار إنا والله لئن كنا أولى فضيلة في جهاد المشركين و سابقة في هذا الدين، ما أردنا به إلا رضا ربنا ، وطاعة نبينا والكدح لأنفسنا. فيا ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك، ألا إن محمداً ﷺ من قريش وقومه أحق به وأولى، وايم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبداً فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم»
فأراد أبو بكر بحكمته أن يضع حدّاً لهذا الخلاف خشية استحكامه فرشح للخلافة اثنين من المهاجرين [30]قائلا : «هذا عمر وهذا أبوعبيدة فأيهما شئتم فبايعوا».
فقالا : لا والله لا نتولى هذا الأمر عليك، فإنك أفضل المهاجرين وثاني إثنين إذ هما في الغار وخليفة رسول الله على الصلاة والصلاة أفضل دین المسلمين فمن ذا ينبغي له أن يتقدمك، أو يتولى هذا الأمر عليك أبسط يدك نبايعك ». فلما ذهبا ليبایعاه سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه، فهو على ذلك أول من بايع أبا بكر الصديق.
ولما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد، وما تدعو إليه قريش وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض وفيهم أُسَيد بن حُضَير (الذي كان رئيس الأوس يوم بُعَاث ومن أحسن الناس صوتاً بالقرآن، وكان أحد المشهود لهم بالعقل وأحد النقباء):
والله لئن وَلِيتْها الخزرج عليكم مرة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة، ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيبا أبداً فقوموا فبايعوا أبا بكر فقاموا إليه فبايعوه، فأنكر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعواه له من [31]أمرهم.
ولم يلق الرأي الذي قاله الأنصار «منا أمير ومنكم أمير» قبولاً حتى سعد نفسه فإنه لما سمع به قال: «هذا أول الوَهْن» لأن انقسام القوة موهن لها، وكذا رفضه عمر حيث قال: «هيهات لا يجتمع اثنان في قَرَن» وأسرع عمر في مبايعة أبي بكر علماً منه بمكانته واعترافاً بفضله.
أقبل الناس يبايعون أبا بكر من كل جانب، وأقبلت أَسْلم بجماعاتها حتى تضايقت بهم السكك فبايعوا فكان عمر يقول: «ما هو إلا أن رأيت أسلم فأيقنت بالنصر» وكاد الناس من شدة الزحام يطأون سعد بن عبادة الذي كان يومئذ مريضاً ولا يستطيع النهوض، وحدثت بينه وبين عمر مشادَّة، وأخيراً حمل سعد وأدخل في داره وترك أياما ثم بعث إليه أن أقبل فبايع فقد بايع الناس وبايع قومك فقال:
« أما والله حتى أرميكم بما في كنانتي من نبل، وأخضب سنان رمحي وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني من قومي، فلا أفعل. [32]وايم الله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي وأعلم ما حسابي ».
هذا ما أجاب به سعد من دعوه إلى مبايعة أبي بكر بعد أن علم أن البيعة قد تمت ولكن ماذا يفيد امتناعه عن البيعة، وليس له أنصار ولا أغلبية! لقد طمع في الخلافة، وظن أن قومه سيقاومون ويتمسكون به إلى آخر رَمَق من حياتهم. إنه توعد وهدد بمفرده لذلك لم يكترث به أحد فتركوه وشأنه.
فلما علم أبو بكر بما قال سعد؛ قال له عمر: لا تدعه حتى يبايع. فقال له بشير بن سعد: إنه قد لج وأبى، وليس بمبايعتكم حتى يقتل، وليس بمقتول حتى يقتل معه ولده، وأهل بيته، وطائفة من عشيرته، فاتركوه فليس تركه بضاركم إنما هو رجل واحد. فتركوه عملاً برأي بشير.
هامش
القرن : الحبل، ولا يقال للحبل قرن حتى يقرن فيه بعيران.
متجانف لإثم : ای مائل متعمد.
الجذل: أصل الشجرة، وعود ينصب لتحتك به الجربی من الإبل فتستشفى به والعذق: النخلة بحملها وقول الحباب «أنا جذيلها المحكك وعذيقهاالمرجب» مثل يضرب لمن يستشفی برأیه ويعتمد عليه، أي قد جربتني الأمور ولي رأی و علم يستشفي بها كما تستشفى هذه الإبل بهذا الجدل . وصغره على جهة المدح وصغر العذق على جهة المدح أو التعظيم . والترجيب : أن تدعم الشجرة إذا كثر حملها لئلا تتكسر أغصانها . وقيل ترجيبها هو أن يوضع الشوك حوالي الأعذاق لئلا يصل إليها أكل فلا تسرق . وقد أراد بالترجيب التعظيم.
=====
تخلف عليّ رضي الله عنه عن البيعة
قال الزهري: «بقي عليّ وبنو هاشم والزبير ستة أشهر لم يبايعوا أبا بكر حتى ماتت فاطمة رضي الله عنها [33]فبايعوه[1]) وكانت فاطمة أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله مما أفاء الله عليه بالمدينة وفَدَكَ[2] وما بقي من خمس خَيْبر فأبى أبو بكر أن يدفع إليها شيئاً؛ لأن رسول الله قال: «لا نُوْرَثُ ما تركناه صدقة» فوجدت فاطمة على أبي بكر الصديق في ذلك ولم تكلمه حتى توفيت.
وقد كان عليّ رضي الله عنه يرى أنه أحق بالخلافة من أبي بكر لقرابته من رسول الله، لذلك فقد تخلف عن البيعة [3] مع أن رسول الله لما مرض وتعذر عليه الخروج إلى الصلاة. قال مروا أبا بكر فليصل بالناس. فقالت له عائشة: يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق إذا قام مقامك لا يسمع الناس من البكاء قال: مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس. فعاودته مثل مقالتها. فقال: إنكن صواحبات يوسف. مروا أبا بكر فليصل بالناس. [34]وفي تقديمه أبا بكر إلى الصلاة إشارة إلى أنه الخليفة بعده قال الزبير: لا أغمد سيفا ً حتى يبايع عليّ. فقال عمر: خذوا سيفه واضربوا به الحجر. ثم أتاهم عمر فأخذهم للبيعة. وقيل لما سمع عليٌ ببيعة أبي بكر خرج في قميصه ما عليه إزار، ولا رداء عجلاً حتى يبايعه ثم استدعى إزاره ورداءه فتجلّله. قال ابن الأثير: والصحيح أن أمير المؤمنين ما بايع إلا بعد ستة أشهر.
وممن تخلف عن بيعة أبي بكر عتبة بن أبي لهب، وخالد بن سعيد والمقداد بن عمرو، وسلمان الفارسي، وأبو ذر، وعمار بن ياسر، والبراء بن عازب وأبي بن كعب ومالوا مع علي، وتخلف أيضاً أبو سفيان من بني أمية.
هامش
أصح الأقوال أن فاطمة توفيت بعد رسول الله بستة أشهر.
قرية بخيبر.
وفي أسد الغابة رواية عن يحيى بن عروة المرادي؛ قال سمعت علياً رضي الله عنه يقول قُبض النبي ﷺ وأنا أرى أني أحق بهذا الأمر. فاجتمع المسلمون على أبي بكر فسمعت وأطعت. ثم إن أبا بكر أصيب فظننت أنه لا يعدلها عني. فجعلها في عمر فسمعت وأطعت. ثم إن عمر أصيب فظننت أنه لا يعدلها عني فجعلها في ستة أنا أحدهم فولوها عثمان فسمعت وأطعت. ثم إن عثمان قتل فجاءوا فبايعوني طائعين غير مكرهين. الخ.
===
أفضل الناس بعد رسول الله
أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ«أبو بكر» رضي الله عنه. وقالت الشيعة وكثير من المعتزلة هو «عليّ» وهؤلاء جوزوا إمامة المفضول مع وجود الفاضل. وحجتهم أن قيام عليّ بالجهاد كان أكثر من قيام أبي بكر [35]فوجب أن يكون علي أفضل منه لقوله تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
وأجاب أهل السنة عنه بأن الجهاد على قسمين: جهاد بالدعوة إلى الدين وجهاد بالسيف. ومعلوم أن أبا بكر رضي الله عنه جاهد في الدين في أول الإسلام بدعوة الناس إلى الإسلام. وبدعوته أسلم عثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم أجمعين. وعلي رضي الله عنه إنما جاهد بالسيف عند قوة الإسلام، فكان الأول أولى، وحجة القائلين بفضل أبي بكر رضي الله عنه قوله ﷺ: «ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر » [1].
راجع كتاب معالم أصول الدين لفخر الدين محمد بن عمر الرازي - الباب العاشر في الإمامة - المسألة السابعة.
تجهيز رسول الله ودفنه
بعد أن بويع أبو بكر جهز رسول الله ودفن ليلة الأربعاء وقد غسّل في قميصه وغسّله العباس، والفضل [36]وقُثَم ابنا العباس، وأسامة بن زيد، وشقران مولى رسول الله، وحضرهم أوس بن خَوْلى الأنصاري من بئر يقال لها الغَرس لسعد بن خثيمة بقباء، وكان العباس وابناه يقلبونه، وأسامة وشقران يصبان الماء، وعلي يغسله وعليه قميصه، وهو يقول (بأبي أنت وأمي ما أطيبك حيّاً وميتاً) . وكفن في ثلاثة أثواب يمانية [1] بيض من كرسف (قطن) ليس في كفنه قميص ولا عمامة ولا عروة.
وبعد أن غسل رسول الله وكفن، وضع على سرير وأدخل عليه المسلمون أفواجا يقومون ويصلون عليه، ثم يخرجون ويدخل آخرون ولم يؤمهم في الصلاة عليه إمام حتى إذا فرغت الرجال دخلت النساء ثم دخل الصبيان.
وكان أول من دخل أبو بكر وعمر. فقالا: (السلام عليك أيها النبي..ورحمة الله وبركاته) ومعهما نفر من المهاجرين والأنصار قدر ما يسع البيت، فسلموا كما سلم أبو بكر، وعمر، وصفوا صفوفاً لا يؤمهم عليه [37]أحد فقال أبو بكر وعمر وهما في الصف الأول حيال رسول الله:
«اللهم إنا نشهد أن قد بَلّغ ما أنزل عليه ونصح لأمته، وجاهد في سبيل الله حتى أعز الله دينه، وتمت كلماته فآمن به وحده لا شريك له. فاجعلنا يا إلهنا ممن يتبع القول الذي أنزل معه، واجمع بيننا وبينه حتى يعرفنا ونعرفه، فإنه كان بالمؤمنين رؤوفا رحيماُ. لا نبتغي بالإيمان بدلاُ، ولا نشتري به ثمنا أبداً».
فيقول الناس آمين آمين، ثم يخرجون ويدخل غيرهم. ولما فرغوا نادى عمر حلوا الجنازة وأهلها.
ولما اختلفوا في موضع دفنه قال أبو بكر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما مات نبي قط إلا يدفن حيث تقبض روحه) قال عليّ: وأنا أيضاً سمعته، فرفع فراشه ودفن. ولما أرادوا أن يحفروا لرسول الله، كان بالمدينة رجلان أبو عبيدة بن الجراح يضرح لأهل مكة، وكان أبو طلحة الأنصاري هو الذي يلحد لأهل المدينة. فجاء أبو طلحة وألحد لرسول الله، وجعل في قبره قطيفة حمراء كان يلبسها فبسطت تحته، وكانت الأرض ندية، ورش قبره [38]ﷺ بلالٌ بتربة بدأ من قبل رأسه وجعل عليه من حصباء العَرْصة[2] حمراً وبيضاً، ورفع قبره عن الأرض قدر شبر، ونزل قبره عليٌ، والفضل وقُثَم ابنا العباس، وشقران، وأوس بن خولى الأنصاري.
وقيل: في ثلاثة أثواب سَحولية. وسحول - مثل رسول - بلدة باليمن يجلب منها الثياب.
عرصة الدار: ساحتها وهي البقعة الواسعة التي ليس فيها بناء والجمع عراص وعرصات.
========
خطبة أبي بكر بعد البيعة
بعد أن تمت بيعة أبي بكر بيعة عامة، صعد المنبر وقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
«أيها الناس قد وُلِّيت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأتُ فقوموني، الصدق أمانة، والكَذِب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ منه الحق إن شاء الله تعالى، لا يدع أحد منكم الجهاد، فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم رحمكم الله»[1].
[39]فيا لها من كلمات جامعة حوت الصراحة والعدل، مع التواضع والفضل، والحث على الجهاد لنصرة الدين، وإعلاء شأن المسلمين.
الجزء الثاني من تاريخ الكامل لابن الأثير.888888888888888888
=======
إرسال جيش أسامة بن زيد[1]
يوم الأربعاء 14 ربيع الأول سنة 11هـ (11 حزيران - يونيه 632م)
كان رسول الله قد استعمل أسامة بن زيد، وأمره بالتوجه إلى حدود الشام للأخذ بثأر من قتل في غزوة مُؤْتة، وقد كان رسول الله قد ضرب البعث على أهل المدينة ومَن حولها، وفيهم عمر بن الخطاب وعسكر جيش أسامة بالجُرْف[2] فاشتكى رسول الله ثم وجد من نفسه راحة فخرج رسول الله عاصباً رأسه فقال:
[40]«أيها الناس أنفذوا جيش أسامة» ثلاث مرات. وقال: «إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبله، وايم الله إنه كان خليقاً للإمارة، وايم الله إنه لمن أحب الناس إليّ من بعده» .
وذلك لأن الناس طعنوا في إمارة أسامة، لأنه كان شاباًّ لم يتم العشرين من عمره.
توفي رسول الله ولم يسر الجيش، وارتد كثير من العرب ونجم النفاق، واشرأبت أعناق اليهود والنصارى وبقي المسلمون لا يدرون ماذا يصنعون لوفاة نبيهم، وقلة عددهم، وكثرة عدوهم. فقال الناس لأبي بكر: إن جيش أسامة جند المسلمين، والعرب قد انتقضت بك فلا ينبغي أن تفرق عنك جماعة المسلمين.
فماذا يصنع أبو بكر؟ إنهم يعترضون على إمارة أسامة لصغر سنه، ويعترضون على إرسال جيش المسلمين لارتداد العرب، وقلة عدد المسلمين، وخوفهم على مركزهم بالمدينة. غير أن رسول الله كان يشدد في إرسال جيش أسامة، وقد أخذ أبو بكر عهداً على نفسه بأن لا يعصي الله ورسوله. فهل يخالف أمر [41]رسول الله؟ كلا، فإن ذلك ليس من طبيعته ولا من خلقه، وإنما خلقه الثبات إلى آخر لحظة وتنفيذ أوامر رسول الله بكل دقة في كل كبيرة وصغيرة مهما كلفه ذلك القوة إيمانه، وثبات يقينه وعملا بواجب الصداقة. هذا كانت إجابته للمعترضين في غاية القوة حيث قال:
«والذي نفس أبي بكر بيده لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله ﷺ ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذته».
وقال لعمر لما أرسله أسامة يستأذنه في الرجوع وطلب إليه الأنصار إن أبي أن يولي عليه من هو أقدم من أسامة :
«لو خطفتني الكلاب والذئاب لم أرد قضاء قضى به رسول الله ﷺ». فقال عمر: إن الأنصار أمروني أن أبلغك وأنهم يطلبون إليك أن تولي أمرهم رجلاً أقدم سناًّ من أسامة. فوثب أبو بكر وكان جالساً يأخذ بلحية عمر فقال له:
« ثكلتْك أمك وعدمَتك يا ابن الخطاب، استعمله [42]«رسول الله ﷺ وتأمرني أن أنزعه» .
فخرج عمر إلى الناس بعد أم سمع ورأى من أبي بكر ما رأى. فقالوا له: ما صنعت؟ فقال: امضوا ثكلتكم أمهاتكم، ما لقيت في سببكم من خليفة رسول الله.
وإجابة أبي بكر بهذه القوة تذكرنا بما قاله رسول الله لعمه أبي طالب حين ظن أنه قد خذله وضعف عن نصرته: (يا عماه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه فيه ما تركته) .
خرج أبو بكر حتى أتى الجيش وأشخصهم وشيعهم وهو ماش وأسامة راكب وعبد الرحمن بن عوف يقود دابة أبي بكر فقال له أسامة: يا خليفة رسول الله، والله لتركبن أو لأنزلن. فقال «والله لا تنزل ووالله لا أركب وما عليَّ أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة. فإن للغازي بكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة تكتب له وسبعمائة درجة ترفع له وترفع عنه سبعمائة خطيئة» حتى إذا انتهى قال إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل، ومعنى [43]ومعنى ذلك أنه يستأذن أسامة - قائد الجيش - أن يترك له عمر لأنه كان في الجيش فأذن له [3] وكان إرسال الجيش بعد بيعة أبي بكر بيوم أعني يوم الأربعاء 14 من ربيع الأول.
هو أسامة بن زيد بن حارثة، أمه أم أيمن وكان أسود أفطس. أردفه رسول الله خلفه يوم الفتح على راحلته القصواء واستعمله وهو ابن ثماني عشرة سنة. روي له عن رسول الله 128 حديثاً وروى عنه ابن عباس وجماعة من كبار التابعين وكانت وفاته بالمدينة وقيل بوادي القرى وحمل إلى المدينة سنة 54 هـ.
الجرف: موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام. انظر خريطة مكة والمدينة من (كتاب محمد رسول الله) للمؤلف.
ودع أبو بكر أسامة من الجرف ورجع. والجرف موضع قريب من المدينة.
=====
وصية أبي بكر الجيش
أوصى أبو بكر جيش أسامة فقال:
« يا أيها الناس قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني:
لا تخونوا، ولا تَغُلُّوا، ولا تغدروا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا طفلا صغيراً أو شيخاً كبيرا ولا امرأة، ولا تعقروا نحلا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له. وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام فإذا أكلتم منها شيئا بعد شيء فاذكروا اسم [44]الله عليها. وتلقون أقواماً قد فحصوا أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب فأخفقوهم بالسيف خفقاً. اندفعوا باسم الله».
وقال لأسامة «إصنع ما أمرك به نبي الله ﷺ. ابدأ ببلاد قضاعة ثم ائت آبِلَ [1] ولا تقصرن من شئ من أمر رسول الله ﷺ ولا تعجلن لما خلفت عن عهده» .
فسار أسامة وأوقع بقبائل من قضاعة التي ارتدت وغنم وعاد وكانت غيبته أربعين يوما سوى مقامه ومنقلبه راجعاً من غير أن يفقد أحدا من رجاله.
وكان إنفاذ جيش أسامة أعظم الأمور نفعاً للمسلمين؛ فإن العرب قالوا لو لم يكن بالمسلمين قوة لما أرسلوا هذا الجيش فكفوا عن كثير مما كانوا يريدون أن يفعلوه.
ولم نعثر في المراجع التاريخية على عدد جيش أسامة ولا على قوة جيش العدو وخسائره، ولم نعلم ما هي الغنائم التي غنمها المسلمون .
في الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جهز جيشا بعد حجة الوداع وقبل وفاته وأمر عليهم أسامة بن زيد وأمره أن يوطئ خيله آبل الزيت - بلفظ الزيت من الأدهان - بالأردن من مشارف الشام - معاجم البلدان
===
إمارة باذان[1] على اليمن في عهد رسول الله
باذان رجل من الفرس بعثه كسرى أبرويز إلى اليمن نائباً عليها فبقي إلى بعثة رسول الله ﷺ وهو آخر من قدم من اليمن من ولاة العجم.
ولما كاتب النبي كِسرى بما كاتبه مزق كسرى الكتاب وبعث إلى باذان أن أرسل إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين وكتب مهما إلى النبي يأمره بالمسير معهما إلى كسرى فقال لهم رسول الله: إرجعا وقولا لباذان أسلم فإن أسلم أؤمره على ما تحت يده وأملكه على قومه. فأتيا إلى باذان وكان كسرى قد مات. فقال باذان: إني لأراه نبياً ولننظرن فإن كان ما قال حقا فهو فإنه لنبي مرسل، وإن لم يكن فنرى فيه رأينا. فلم يلبث أن قدم عليه كتاب [46]شيرويه بن كسرى بقتل كسرى ويأمره بأخذ الطاعة له باليمن، فأسلم باذان وأسلم معه جماعة منة العجم وبعث بذلك سنة 10 هجرية. فجمع له النبي عمل اليمن وأمَّره على جميع مخاليفه فلم يزل عاملاً عليها حتى مات.
فلما مات باذان فرق رسول الله أمراءه في اليمن بالكيفية الآتية:
(1) عمرو بن حزم على نجْران.
(2) خالد بن سعيد بن العاص على ما بين نجران وزَبِيد.
(3) عامر بن شهر الهَمْذاني على هَْمدان.
(4) شهر بن باذان على صنعاء.
(5) الطاهر بن أبي هالة على عَكٌ والأشعريين.
(6) أبو موسى الأشعري على مأرِب.
(7) يعلى بن أمية على الجنَد.
(8) زياد بن لبيد الأنصاري على أعمال حَضْرَمَوْت.
(9) عكاشة بن ثور على السَّكاسِك والسَّكون.
[47](10) عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري على بني معاوية بن كِنْدة.
وكان معاذ بن جبل معلماً يتنقل في عمالة كل عامل باليمن وحضرموت.
صحة اسمه: باذان بالنون لا باذام كما ذكر خطأ بتاريخ الطبري الجزء الثالث صفحة 213 و214 المطبوع بالمطبعة الحسينية المصرية.
====
ظهور المتنبئين في بلاد العرب
ادعى النبوّة بعض العرب في الجهات النائية عن المدينة ومكة مثل اليمامة واليمن توصلا إلى الملك والرياسة والتغلب على القبائل المجاورة لهم، فمنهم من حاول محاكاة القرآن تغريراً بعقول السذج من العرب فجاء كلامه سخيفاً مضحكاً لا معنى له، ومنهم من لم يقتصر على ذلك بل أتى بالأعاجيب، وما هي إلا شعبذة وكهانة وكحر مبين، لكنهم افتضحوا وظهر كذبهم ونفاقهم. وعدا ذلك فإنهم أحلوا المحرمات وارتكبوا الفواحش فكان مصيرهم الخذلان والفشل. وقد خضعت جميع هذه القبائل إلى الإسلام بفضل حزم أبي بكر الصديق ومحاربته أهل الردة كما سيأتي ذكر ذلك مفصلاً. والآن نبدأ بأخبار الأسود العنسي الكذاب:
الأسود العَنْسي النبي الكذاب
الأسود العنسي يلقب بذي الخمار لأنه كان معتماً متخمراً دائماً [1]واسمه عيهلة بن كعب بن عوف العَنْسي، وعنس بطن من مَذْحج [2]. وكان كاهناً مشعبذاً يُري قومه الأعاجيب ويجلبهم بحلاوة منطقة. ادعى النبوّة حين مرض النبي واتبعه مَذْحج عامة وكانت ردته أول ردة في الإسلام على عهد رسول الله. وقد سمى نفسه رحمن اليمن أي أنه يتكلم باسم الرحمن، كما سمى مسيلمة رحمن اليمامة. ويقال كان له شيطان يخبره بكل شيء.
فغزا نجران وكان عليها عمرو بن حزم وخالد بن سعيد فأخرجهما ومعه 700 فارس إلى صنعاء وعليها شهر ابن باذان فخرج إليه شهر فقتله الأسود. كان قواده قيس بن عبد يغوث المرادي ومعاوية بن قيس الجَنْبي ويزيد بن محرم ويزيد بن حُصَين الحارثي ويزيد بن الأفْكَل [49]الأزدي. استولى الأسود على صنعاء وغلب على حضرموت إلى أعمال الطائف إلى البحرين والأحساء إلى عدن، وقد استولى على جنوب غربي بلاد الرب في أقل من شهر وأسند أمر جنده إلى قيس بن عبد يغوث وأسند أمر الأبناء [3] إلى فيروز وداذويه فلما أثخنا في الأرض استخف بقيس وبفيروز الديلمي وداذويه.
خاف من بحضرموت من المسلمين أن يحاربهم الأسود أو يظهر كذاب آخر مثله فأتى من باليمن كتاب من رسول الله يأمرهم بقتال الأسود فقام معاذ يتنقل في القبائل فقويت نفوس المسلمين. وكان الذي قدم بكتاب النبي ﷺ وَبَر بن يُحَنّس الأزدي.
متخمرا لابسا الخمار، الخمار ثوب تغطي به المرأة رأسها.
البطن دون القبيلة
الأبناء هم من أولاد الفرس الذين سيرهم كسرى أنوشروان مع سيف بن ذي يزن إلى اليمن لقتال الحبشة فأقاموا باليمن.
قتل الأسود العنسي
من سخافة عقل الأسود استخفافه بقائد جيشه وبفيروز وداذويه وهم الذين أعانوه على إخضاع اليمن له في مدة قصيرة. ثم إنه بعد أن قتل شهر بن باذان تزوج [50]امرأته آزاد وهي ابنة عم فيروز. فلما علم المسلمون تغيره على رئيس جنده دعوه وأنبأوه بكتاب رسول الله بقتل الأسود ففرح فيروز لذلك النبأ وكلموا آزاد زوجته في قتله، وكانت تبغضه لأنه قتل زوجها ولأنه كان سيء الخلق فاسقاً.
تمكن فيروز، وداذويه، وقيس من دخول القصر بالرغم من وجود الحراس وذلك بواسطة نقب نقبوه بإشارة من آزاد ثم انقضوا عليه وقتلوه وحزوا رأسه. ولما طلع الفجر نادوا بشعار المسلمين وهو الأذان. ولما اجتمع المسلمون والكفار ألقوا إليهم الرأس، وبذلك خلصت صنعاء والجَنَد [1] من هذا الشر المستطير، واتفق الناس على تولية معاذ بن جبل فكان يصلي بالناس، وعاد عمال رسول الله إلى أعمالهم وكتبوا إليه ﷺ بالخبر، فوصل الرسول المدينة صبيحة اليوم الذي توفي فيه رسول الله، وكان بين خروج [51]الأسود ومقتله نحو أربعة أشهر.
وقد جاء في أسَدِ الغابة عند ترجمة باذان أن باذان كان له أثر كبير في قتل الأسود مع أنه لم يكن له أي أثر في ذلك لأن باذان مات في عهد رسول الله وفرق ﷺ أمراءه على اليمن فكان شهر بن باذان على صنعاء[2] ثم استولى عليها الأسود الذي قتل غيلة كما تقدم.
الجند بالتحريك: قال أبو سنان اليمامي: اليمن فيها 33 منبرا قديما و40 حديثا وأعمال اليمن في الإسلام مقسومة على ثلاثة ولاة: فوال على الجند ومخاليفها وهو أعظمه. ووال على صنعاء ومخالفيها وهي أوسطها، ووال على حضرموت ومخالفيها وهو أدناها. والجند مسماة بجند بن شهران بطن من المعافر.
صنعاء هي أم اليمن وقطبها لأنها في الوسط منها وكان إسمها في الجاهلية ازال وقيل سميت باسم الذي بناها وهو صنعاء بن أزال. قال الياقوت : صنعاء منسوبة إلى جودة الصنعة وهي مشهورة بجودة فواكهها. وبنى أبرهة بصنعاء كنيسة يقال لها القليس وقد ذكرناها في كتاب «محمد رسول الله»
قتال أهل الردة
لما توفي رسول الله اشتد الأمر على المسلمين لارتداد العرب وخافوا الإغارة على المدينة بعد أن سير أبو بكر جيش أسامة إذ قد استفحل أمر مُسَيلمة وطُلَيحة واجتمع على طليحة عوام طيء وأسد، وارتدت غَطَفان تبعاً لعيينة ابن حصين فإنه قال لَنبيٌّ من الحليفين - يعني أسداً وغطفان - أحب إلينا من نبي من قريش. وقد مات محمد [52]وطليحة حي فاتبعه وتبعته غطفان وكان عيينة من المؤلفة قلوبهم، ومن الأعراب الجفاة.
قدمت رسل النبي ﷺ من اليمامة وأسد وغيرهما ودفعوا كتبهم لأبي بكر، وأخبروه الخبر عن مسيلمة، وطليحة، فعزم أبو بكر على قتالهم واستعد لصد هجمات المغيرين إلى أن يأتي جيش أسامة، والآن نذكر ما كان من أمر طليحة الذي ادعى النبوة.
طليحة الأسدي
طليحة بن خويلد الأسدي من بني أسد بن خزيمة كان كاهنا فأسلم ثم ارتد وادعى النبوة في حياة رسول الله، وظهر في بني أسد واتبعه أفاريق [1] من العرب ونزل سَمِيراء [2] بطريق مكة، فوجه إليه النبي ﷺ ضرار بن الأزور عاملاً على بني أسد، وأمرهم بالقيام على من ارتد فضعف أمر طليحة حتى لم يبق إلا أخذه فضربه به [53]بسیف فلم يصنع فيه شيئاً ، فاعتقد الناس أن السلاح لا يؤثر فيه فكثر جمعه ، ومات النبي ﷺ وهم على ذلك وأكثر من تبعه من أسد، وغطفان ، وطيء، وفزارة وغيرهم ، وفر ضرار ومن معه إلى المدينة . وكان طليحة يدعي أن جبرائيل يأتيه ، وكان يسجع للناس الأكاذيب ، وكان يأمرهم بترك السجود في الصلاة يقول : إن الله لا يصنع بتعفير وجوهكم ، وتقبيح أدباركم شيئا فاذكروا الله قيامة فإن الرغوة فوق الصريح . وأنفذ طليحة وفوده إلى أبي بكر في الموادعة على الصلاة[3] وترك الزكاة ، فأبی أبو بكر ذلك وكان لطليحة أخ يدعي حِبَال جعله على فريق من أتباعه. ولما عرض الوفد على أبي بكر ترك الزكاة قال : «والله لو منعوني عقالاً لجاهدتهم عليه» [4].
في الحديث: أفاريق العرب، وهو جمع أفراق وأفراق جمع فرقة.
سميراء بفتح أوله وكسر ثانيه بالمد وقيل بالضم: ماء بين ثور والحاجز في طريق مكة.
الموادعة : المصالحة
لو منعوني عقالا : قيل المراد الحبل. وإنما ضرب به مثلا لتقليل ما عساهم أن يمنعوه . وقيل المراد بالعقال نفس الصدقة
الإغارة على المدينة
توقع أبو بكر الإغارة على المدينة فجعل بعد سير الوفد على أنقاب المدينة عليًّا وطلحة ، والزبير ، وابن [54]مسعود ، وألزم أهل المدينة بحضور المسجد خوف الإغارة من العدو لقربهم . فيا لبثوا إلا ثلاثاً حتى طرقوا المدينة ليلاً ، وخلفوا بعضهم بذي حُسًى [1] ليكونوا لهم رداءً[2] فوافوا ليلاً الأنقاب ، وعليها المقاتلة فمنعوهم خارج المدينة وأرسلوا إلى أبي بكر بالخبر فخرج إليهم جيش المدينة واتبعوهم حتى إذا كانوا بذی حسًی خرج إليهم اصحاب طليحة بقرب قد نفخوها وفيها الحبال فدهدهوها [3] على الأرض فنفرت إبل المسلمين وهم عليها ورجعت بهم إلى المدينة ، ولم يصرع مسلم . وظن الكفار بالمسلمين الوهن ثم انضم إلى رجال طليحة غيرهم من أصحابه ، وبات أبو بكر بالمدينة يعبي الجيش ثم خرج ليلاً يمشي وعلى ميمنته النعمان بن مقرِّن وعلى ميسرته عبد بن مقرن وعلى الساقة سويد بن مقرِّن . فما طلع الفجر إلا وهم والعدو على صعيد واحد، فقاتلها المسلمون حتى ولوا مدبرین ، واقتفى أثرهم أبو بكر حتى نزل بذي القَصَّة[4]. وكان ذلك أول الفتح فوضع بها الحامية وعليها النعمان بن مقرِّن ، وحلف أبو بكر [55]ليقتلن من المشركين بمن قتلوا من المسلمين وزيادة وازداد المسلمون قوة وثباتاً
كانت هذه الموقعة صغيرة ، ولكن كان للنصر الذي أحرزه أبو بكر شأن كبير ، ووقع عظيم في النفوس . وقد كان المرتدون يتحدثون فيما بينهم بقلة عدد المسلمين فلو أنهم انهزموا لكان الخطب فادحاً . وعلى أثر هذا الانتصار طرقت المدينة الصدقات فانتعش المسلمون وقویت عزيمتهم وكان أول من جاء بالصدقات إلى الخليفة وفود بني تميم وبني طيء . 
-----------------
ذو القصة : موضع على بريد من المدينة 
ذو حسى : واد بدیار عبس وغطفان
معيناً
دحرجوها
======= ======

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

منظومة ذات الشفا في سيرة النبي صلى الله وعليه وسلم والخلفا المؤلف شيخ القراء ابن الجزري

بسم اللَّه الرحمن الرحيم قَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ الْجَزَرِيْ وَالشُّكْرُ للَّهِ عَلَى مَا قَدْ هَدَى صَلَّى عَلَيْهِ رَبُّنَا وَسَلَّمَ...